واصف جوهرية

190

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

طروب دنيا طروب آخرة من عرف القدس يدرك أن لا بناء للسكن بجوار مقبرة صهيون للروم الأرثوذكس قطعيا ، إلا العمارة الكبيرة المقامة على جبل صهيون وهي ملك المطران جراسيموس رئيس كنيسة القيامة وهي شبه [ دير حديث داخله كنيسة ] . شاء القدر أن يحتل الجيش العثماني هذه العمارة عندما دخلت تركيا في الحرب العظمى الأولى سنة 1914 لإستعمالها كدائرة صحة وغرف لسكن لسكن ضباط الجيش . وقد صادف أن رئيس الصحة واسمه نوري بك كان صديق لحسين أفندي الحسيني وهو رئيسا لبلدية القدس عمل [ هيصة ] سهرة لزملائه من الضباط وقد دعى حسين أفندي ورغب في الاستماع إلى الموسيقى العربية . وهكذا وقبل الأربعين من وفاة المرحوم الوالد كنت أعزف وأغني بأعلى صوتي في غرفة الرئيس التي كانت نافذتها تطل على قبر المرحوم مباشرة الأمر الذي لفت نظر حسين أفندي وقص للحضور ما كان والدي عليه من حظ في حياته وكيف شاء اللّه أن ينعم عليه بالحظ والطرب حتى بعد مماته وقبل الأربعين ليس من فنان بعيد عنه فحسب بل ولده [ صاحب هذا الكتاب ] فلو لا دخول الحرب واحتلال هذه العمارة لما كان غناء أو طرب في تلك المنطقة وقال حقا " طروب دنيا طروب آخرة " . الجراد بالقدس في أواخر فصل صيف سنة 1914 سنة الحرب العظمى وأثناء عملي في بلدية القدس بمعية حسين أفندي حسين وكانت تلك السنة محل وانحبست الأمطار وغزا البلاد والقدس الجراد بصورة فظيعة جدا فإني أذكر تماما واللّه يشهد أنني عندما كنت نازلا على سلم البلدية رفعت رأسي إلى السماء مع جميع الناس فلم نستطع رؤية الشمس قطعيا فكان الجراد الطيار شبيها بالغيوم المتكاثفة في الجو مما حجب نور الشمس عن الأرض بتاتا . بقي الجراد بكثرة مخيفة وفقس بيضة في البلاد ثم بدأ ما يسمونه بالزحاف إلى أن قضى على جميع المزروعات والأشجار كافة حتى أنني أذكر بأنه كان يأكل قشرة الأرومة والأغصان من كافة الأشجار وكانت تصبح الشجرة في خطر ، ولم يبق عرق أخضر ولا زهرة حتى في بيوت السكن والعياذ باللّه ثم أنه كان يدخل البيوت ويهجم بقوة فائقة على ما يجده أمامه وكثيرا ما يسقط في بواطي العجين ، وأواني الطعام وكانوا يخافون منها على الأطفال . هذا بالرغم من أخذا الإجراءات العظيمة من قبل الحكومة التي أصدرت أمرا طريفا من نوعه وهو أن على كل شخص ذكر من سن اثني عشر سنة وما فوق أن يقدم ثلاثة كيلو من بيض الجراد المزروع في أراضي البلاد وكان ذلك فكان الشخص الذي ليس في استطاعته الحصول على هذه الكمية بيده يشتري هذه الكمية المفروضة من الغير ، ويقدمها إلى الحكومة ولكن رغما عن جميع هذه الإحتياطات فقد قضى الجراد على البلاد بأسرها وأصبحت البلاد ويا للأسف